فصل: ذكر قصة لوط وقومه:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الكامل في التاريخ (نسخة منقحة)



.ذكر عمارة البيت الحرام بمكة:

قيل: ثم أمر الله إبراهيم ببناء البيت الحرام، فضاق بذلك ذرعاً فأرسل الله السكينة، وهي ريح خجوج، وهي الليّنة الهبوب، لها رأسان، فسار معها إبراهيم حتى انتهت إلى موضع البيت فتطوت عليه كتطوي الحجفة، فأمر إبراهيم أن يبني حيث تستقرّ السكينة، فبنى إبراهيم.
وقيل: أرسل الله مثل الغمامة له رأس فكلّمه وقال: يا إبراهيم ابن على ظلّي أو على قدري لا تزدْ ولا تنقص، فبنى، وهذان القولان نُقِلا عن عليّ، وقال السّدّيّ: الذي دلّه على موضع البيت جبرائيل.
فسار إبراهيم إلى مكّة، فلمّا وصلها وجد إسماعيل يصلح نبلاً له وراء زمزم، فقال له: يا إسماعيل إنّ الله قد أمرني أن أبني له بيتاً، قال إسماعيل: فأطع ربّك، فقال ابراهيم: قد أمرك أن تعينني على بنائه، قال: إذن أفعل، قال فقام معه فجعل إبراهيم يبنيه وإسماعيل يناوله الحجارة، ثمّ قال إبراهيم لإسماعيل: إيتني بحجر حسن أضعه على الركن فيكون للناس علماً، فناداه أبو قبيس: إنّ لك عندي وديعة، وقيل: بل جبرائيل أخبره بالحجر الأسود، فأخذه ووضعه موضعه، وكانا كلّما بنيا دعوا الله: {ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم} البقرة: 2: 127.
فلما ارتفع البنيان وضعف الشيخ عن رفع الحجارة قام على حجر، وهو مقام إبراهيم، فجعل يناوله، فلمّا فرغ من بناء البيت أمره الله أن يؤذّن في الناس بالحج، فقال إبراهيم: يا ربّ وما يبلغ صوتي؟ قال: أذّنْ وعليّ البلاغ، فنادى: أيها الناس إنّ الله قد كتب عليكم الحجّ إلى البيت العتيق فسمعه ما بين السماء والأرض وما في أصلاب الرجال وأرحام النساء، فأجابه من آمن ممن سبق فيعلم الله أن يحج إلى يوم القيامة، فأجيب: لبيّك لبيك ثم خرج بإسماعيل معه إلى التروية فنزل به منىً ومن معه من المسلمين فصلّى بهم الظهر والعصر والمغرب والعشاء الآخرة، ثمّ بات حتى أصبح فصلّى بهم الفجر، ثمّ سار إلى عرفة فأقام بهم هناك حتى إذا مالت الشمس جمع بين الصلاتين الظهر والعصر ثمّ راح بهم إلى الموقف من عرفة الذي يقف عليه الإمام، فوقف به على الأراك، فلما غربت الشمس دفع به ون معه حتى أتى المزدلفة فجمع بها الصلاتين المغرب والعشاء الآخرة، ثمّ بات بها ومن معه حتى إذا طلع الفجرُ صلّى الغداة ثمّ وقف على قزح حتى إذا أسفر دفع به وبمن معه يريه ويعلمه كيف يصنع حتى رمى الجمرة وأراه المنحر ثمّ نحر وحلق وأراه كيف يوطف ثمّ عاد به إلى منىً ليريه كيف رميُ الجمار حتى فرغ من الحجّ.
وروي عن النبي، صلى الله عليه وسلم، أن جبرائيل هو الذي أرى إبراهيم كيف يحجّ، ورواه عنه ابن عمر، ولم يزل البيت على ماب ناه إبراهيم، عليه السلام، إلى أن هدمته قريش سنة خمس وثلاثين من مولد النبيّ صلى الله عليه وسلم، على ما نذكره إن شاء الله تعالى.

.ذكر قصة الذبح:

واختلف السلف من المسلمين في الذّبيح، فقال بعضهم: هو إسماعيل، وقال بعضهم: هو إسحاق، وقد روي عن النبيّ، صلى الله عليه وسلم، كلا القولين، ولو كان فيهما صحيح لم نعدُه إلى غيره؛ فأمّا الحديث في أنّ الذبيح إسحاق فقد روى الأحنف عن العباس بن عبد المطلب عن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، في حديث ذكر فيه: {وفديناه بذبحٍ عظيم} الصافات: 37: 107 هو إسحاق، وقد روى هذا الحديث عن العبّاس من قوله لم يرفعه.
وأما الحديث الآخر في أن الذبيح إسماعيل فقد روى الصنابحي قال: كنّا عند معاوية بن أبي سفيان فذكروا الذبيح فقال: على الخبير سقطتم، كنا عند رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فجاءه رجل فقال: يا رسول الله عُد عليَّ مما أفاء الله عليك يا ابن الذبيحين، فضحك، صلى الله عليه وسلم، فقيل لمعاوية: وا الذبيحان؟ فقال: إنّ عبد المطلب نذر إن سهّل الله حفر زمزم أن يذبح أحد أولاده، فخرج السهم على عبد الله أبي النبي، صلى الله عليه سلم، ففداه بمائة بعير، وسنذكره إن شاء الله، والذبيح الثاني إسماعيل.

.ذكر من قال إنه إسحاق:

ذهب عمربن الخطاب وعليّ والعبّاس بن عبد المطلب وابنه عبد الله، رضي الله عنهم، فيما رواه عنه عكرمة وعبد الله بن مسعود وكعب وابن سابط وابن أبي الهذيل ومسروق إلى أنّ الذبيح إسحاق، عليه السلام.حدّث عمرو بن أبي سفيان بن أبي أسيد بن أبي جارية الثقفي أن كعباً قال لأبي هريرة: ألا أخبرك عن إسحاق بن ابراهيم؟ قال: بلى، قال كعب: لما رأى إبراهيم ذبح إسحاق قال الشيطان: والله لئن لم أفتتن عند هذا آل إبراهيم لم أفتتن أحداً منهم بعد ذلك أبداً، فتمثّل رجلاً يعرفونه فأقبل حتى إذا خرج إبراهيم بإسحاق ليذبحه دخل على سارة امرأة إبراهيم فقال لها: أين أصبح إبراهيم غادياً بإسحاق؟ قالت: لبعض حاجته، قال: لا والله إنما غدا به ليذبحه قالت سارة: لم يكن ليذبح ولده، قال الشيطان: بلى والله لأنّه زعم أنّ الله قد أمره بذلك، قالت سارة: فهذا أحسن أن يطيع ربّه، ثمّ خرج الشيطان فأدرك إسحاق وهو مع أبيه فقال له: إنّ إبراهيم يريد أن يذبحك قال إسحاق: ما كان ليفعل، قال: بلى والله إنه زعم أنّ ربّه أمره بذلك، قال اسحاق: فوالله لئن أمره ربّه بذلك ليطيعنّه فتركه ولحق إبراهيم فقال: أين أصبحت غادياً بابنك؟ قال: لبعض حاجتي، قال: لا والله إنما تريد ذبحه قال: ولِمَ؟ قال: لأنك زعمت أنّ الله أمرك بذلك، قال ابراهيم: فو الله إن كان الله أمرني بذلك لأفعلن. فلما أخذ إبراهيم اسحاق ليذبحه أعفاه الله من ذلك وفداه بذبح عظيم، وأوحى الله إلى إسحاق: إنّي معطيك دعوة أستجيب لك فيها، قال اسحاق: اللهم فأيّما عبد لقيك من الأولين والآخرين لا يشرك بك شيئاً فأدخله الجنّة. وقال عبيد بن عمير: قال موسى: يا ربّ يقولون يا إله إبراهيم واسحاق ويعقوب، فبم نالوا ذلك؟ قال: إن إبراهيم لم يعدل بي شيئاً قط إلا اختارني، وإن اسحاق جاد لي بالذبح وهو بغير ذلك أجود، وإنّ يعقوب كلما زدته بلاءً زادني حسن ظنّ بي.
أسيد بفتح الهمزة، وكسر السين، وجارية بالجيم.

.ذكر من قال أن الذبيح إسماعيل عليه السلام:

روى سعيد بن جبير ويوسف بن مهران والشعبي ومجاهد وعطاء بن أبي رباح كلّهم عن أبن عبّاس أنّه قال: إنّ الذبيح إسماعيل، وقال: زعمت اليهود أنه اسحاق، وكذبت اليهود، وقال أبو الطفيل والشعبيّ: رأيت قرني الكبش في الكعبة. قال محمد بن كعب: إنّ الذي أمر الله إبراهيم بذبحه من ابنيه إسماعيل، وإنا لنجد ذلك في كتاب الله في قصة الخبر عن إبراهيم وما أمر به من ذبحه ابنه أنّه إسماعيل، وذلك أنّ الله تعالى حين فرغ من قصّة المذبوح من ابني إبراهيم قال: {وبشرناه بإسحق نبيّاً من الصالحين} الصافات: 37: 100، ويقول: وبشرناه بإسحاق نبيّاً، ومن وراء إسحاق يعقوب بابن وابن ابن، فلم يكن يأمره بذبح اسحاق، وله فيه من الله عزّ وجلّ ما وعده، وما الذي أمر بذبحه إلاّ إسماعيل؛ فذكر ذلك محمد بن كعب لعمر بن عبد العزيز وهو خليفة، فقال: إنّ هذا الشيء ما كنتُ أنظر فيه وإنّي لأراه كما قلت.

.ذكر السبب الذي من أجله أُمر إبراهيم بالذبح وصفة الذبح:

قيل: أمر الله ابراهيم، عليه السلام، بذبح ابنه فيما ذكر أنّه دعا الله أن يهب له ولداً ذكراً صالحاً، فقال: {رب هب لي من الصالحين} الصافات: 37: 112، فلما بشرته الملائكة بغلام حليم قال: إذن هو لله ذبيح، فلمّا ولد الغلامُ وبلغ معه السعي قيل له: أوفِ نذرك الذي نذرت، وهذا على قول من زعم أن الذبيح اسحاق، وقائل هذا يزعم أن ذلك كان بالشام على ميلين من إيليا، وأما من زعم أنه إسماعيل فيقول: إنّ ذلك كان بمكة.
قال محمّد بن اسحاق: إنّ إبراهيم قال لابنه حين أمر بذبحه: يا بني خذ الحبل والمدية ثم انطلق بنا إلى هذا الشعب لنحتطب لأهلك، فلمّا توجه اعترضه إبليس ليصدّه عن ذلك، فقال: إليك عني يا عدوّ الله فو الله لأمضينّ لأمر الله فاعترض إسماعيل فأعلمه ما يريد إبراهيم يصنع به، فقال: سمعاً لأمر ربيّ وطاعة، فذهب إلى هاجر فأعلمها، فقالت: إن كان ربّه أمره بذلك فتسليماً لأمر الله، فرجع بغيظه لم يصبْ منهم شيئاً.
فلمّا خلا إبراهيم بالشعب، وهو شعب ثبير، قال له: {يابني إني أرى في المنام أني أذبحك فانظر ماذا ترى قال يا أبت افعل ما تؤمر ستجدني إن شاء الله من الصابرين} الصافات: 37: 102، ثم قال له: يا أبتِ إن أردت ذبحي فاشدد رباطي لا يصبك من دمي شيء فينتقص أجري، فإنّ الموت شديد، واشحذ شفرتك حتى تريحني، فإذا أضجعتني فكبّني على وجهي فإني أخشى إن نظرت في وجهي أنّك تدركك رحمةٌ فتحول بينك وبين أمر الله، وإن رأيت أن تردّ قميصي إلى هاجر أمّي فعسى أن يكون أسلى لها عني، فافعل، فقال ابراهيم: نعم المعين أنت، أي بني، على أمر الله فربطه كما أمره ثم حدّ شفرته {وتلّه للجبين} ثم ادخل الشفرة لخلقه، فقلبها الله لقفاها ثمّ اجتذبها إليه ليفرغ منه، فنودي: {أن يا إبراهيم قد صدقت الرؤيا} الصافات: 37: 104، هذه ذبيحتك فداء لابنك فاذبحها.
وقيل: جعل الله على خلقه صحيفة نحاس، قال ابن عباس: خرج عليه كبش من الجنة قد رعى فيها أربعين خريفاً، وقيل: هو الكبش الذي قرّبه هابيل، وقال عليّ، عليه السلام: كان كبشاً أقرن أعين أبيض، وقال الحسن: ما فُدي إسماعيل إلاّ بتيس من الأروى هبط عليه من ثبير فذبحه، قيل: بالمقام، وقيل: بمنىً في المنحر.

.ذكر ما امتحن الله به إبراهيم عليه السلام:

بعد ابتلاء الله تعالى إبراهيم بما كان من نمرود وذبح ولده بعد أن رجا نفعه ابتلاه الله بالكلمات التي أخبر أنّه ابتلاه بهنّ فقال تعالى: {وإذ ابتلى إبراهيم ربّه بكلمات فأتمهن} البقرة: 2: 124، واختلف السلف من العلماء الأئمة في هذه الكلمات، فقال ابن عباس من رواية عكرمة عنه في قوله تعالى: {وإذ ابتلى إبراهيم ربّه بكلمات فأتمهن}: لم يبتل أحد بهذا الدين فأقامه إلا ابراهيم، وقال الله: {وإبراهيم الذي وفّى} النجم: 53: 37، قال: والكلمات عشر في براءة، وهي: {العابدون الحامدون} الآية التوبة: 112، وعشر في الأحزاب، وهي: {إن المسلمين والمسلمات} الآية الاحزاب: 35، وعشر في المؤمنين من أولها إلى قوله تعالى: {والذين هم على صلاتهم يحافظون} المعارج: 34، وقال آخرون: هي عشر خصال.
قال ابن عباس من رواية طاووس وغيره عنه: الكلمات عشر، وهي خمس في الرأس: قصّ الارب والمضمضة والاستنشاق والسواك وفرق الرأس، وخمس في الجسد، وهي: تقليم الأظفار وحلق العانة والحيتان ونتف الإبط وغسل أثر الغائط، وقال آخرون: هي مناسك الحج، وقوله تعالى: {إني جاعلك للناس إماماً} البقرة: 2: 124 وهو قول أبي صالح ومجاهد، وقال آخرون: هي ستّ، وهي: الكواكب والقمر والشمس والنار والهجرة والختان.
وذبح ابنه، وهو قول الحسن، قال: ابتلاه بذلك فعرف أنّ ربّه دائم لا يزول فوجّه وجهه للذي فطر السموات والأرض وهاجر من وطنه وأراد ذبح ابنه وختن نفسه، وقيل غير ذلك ممّا لا حاجة إليه في التاريخ المختصر، وإنما ذكرنا هذا القدر لئلا يخلو من فصول الكتاب.

.ذكر عدو الله نمرود وهلاكه:

ونرجع الآن إلى خبر عدوّ الله نمرود وما آل إليه أمره في دنياه وتمرّده على الله تعالى وإملاء الله له، وكان أول جبّار في الأرض، وكان إحراقه إبراهيم ما قدّمنا ذكره، فأخرج إبراهيم، عليه السلام، من مدينته وحلف أنه يطلب إله ابراهيم، فأخذ أربعة أفرخ نسور فربّاهنّ باللّحم والخمر حتى كبرن وغلظن، فقرنّنّ بتابوت وقعد في ذلك التابوت فأخذ معه رجلاً ومع لحم لهنّ، فطرن به حتى إذا ذهبن أشرف ينظر إلى الأرض فرأى الجبال تدبّ كالنّمل، ثم رفع لهنّ اللحم ونظر إلى الأرض فرآها يحيط بها بحر كأنّها فلك في ماء، ثمّ رفع طويلاً فوقع في ظلمة فلم ير ما فوقه وما تحته، ففزع وألقى اللحم، فاتّبعته النسور منقضّات، فلمّا نظرت الجبال إليهن وقد أقبلن منقضات وسمعن حفيفهنّ فزعت الجبال وكادت تزول ولم يفعلن، وذلك قول الله تعالى: {وإن كان مكرهم لتزول منه الجبال} ابراهيم: 14: 47، وكانت طيرورتهنّ من بيت المقدس، ووقوعهنّ في جبل الدخان.
فلمّا رأى أنه لا يطيق شيئاً أخذ في بنيان الصرخ فبناه حتى علا وارتقى فوقه ينظر إلى إله إبراهيم بزعمه وأحدث، ولم يكن يحدث، وأخذ الله بنيانهم من القواعد من أساس الصرخ فسقط وتبلبلت الألسن يومئذ من الفزع، فتكلّموا بثلاثة وسبعين لساناً، وكان لسان الناس قبل ذلك سُريانياً.
هكذا روي أنه لم يحدث، وهذا ليس بشيء، فإن الطبع البشريّ لم يخل منه إنسان حتى الأنبياء، صلوات الله عليهم، وهم أكثر اتصالاً بالعالم العلويّ وأشرف أنفساً، ومع هذا فيأكلون ويشربون ويبولون ويتغوّطون، فلو نجا منه أحد لكان الأنبياء أولى لشرفهم وقربهم من الله تعالى، وإن كان لكثرة ملكه فالصحيح أنه لم يملك مستقلاً، ولو ملك مستقلاً لكان الإسكندر أكثر ملكاً منه ومع هذا فلم يقل فيه شيء من هذا.
قال زيد بن أسلم: إن الله تعالى بعث إلى نمرود بعد إبراهيم ملكاً يعدوه إلى الله أربع مرات فأبى وقال: أربّ غيري؟ فقال له الملك: اجمع جموعك إلى ثلاثة أيام، فجمع جموعه، ففتح الله عليه باباً من البعوض، فطلعت الشمس فلم يروهامن كثرتها، فبعثها الله عليهم فأكلتهم ولم يبق منهم إلا العظام والملك كما هو لم يصبه شيء، فأرسل الله عليه بعوضةً فدخلت في منخره فمكث يضرب رأسه بالمطارق فأرحم الناس به من يمع يديه ويضرب بهما رأسه، وكان ملكه ذلك أربعمائة سنة، وأماته الله تعالى، وهو الذي بنى الصرح.
وقال جماعة: إن نمرود بن كنعان ملك مشرق الأرض ومغربها، وهذا قول يدفعه أهل العلم بالسير وأخبار الملوك، وذلك أنهم لا ينكرون أن مولد إبراهيم كان أيام الضحّاك الذي ذكرنا بعض أخباره فيما مضى، وأنه كان ملك شرق الأرض وغربها، وقول القائل إنّ الضحّاك الذي ملك الأرض هو نمرود ليس بصحيح، لأن أهل العلم المتقدّمين يذكرون أنّ نسب نمرود في النّبط معروف، ونسب الضحّاك في الفرس مشهور، وإنما الضحّاك استعمل نمرود على السواد وما اتصل به يمنة ويسرة وجعله وولده عمّالاً على ذلك، وكان هو ينتقل في البلاد، وكان وطنه ووطن أجداده دنباوند من جبال طبرستان، وهناك رمى به أفريدون حين ظفر به، وكذلك بخت نصّر.
ذكر بعضهم أنه ملك الأرض جميعها، وليس كذلك، وإنما كان اصبهبذ ما بين الأهواز إلى أرض الروم من غربيّ دجلة من قبل لُهراسب، لأنّ لهراسب كان مشتغلاً بقتال الترك مقيماً بإزائهم ببلخ، وهو بناها لما تطاول مقامه هناك لحرب الترك، ولم يملك أحد من النبط شبراً من الأرض مستقلاً برأسه، فكيف الأرض جميعها وإنما تطاولت مدّة نمرود بالسواد أربعمائة سنة ثمّ دخل من نسله بعد هلاكه جيل يقال له نبط بن قعود ملك بعده مائة سنة، ثمّ كداوص بن نبط ثمانين سنة، ثم بالش بن كداوص مائة وعشرين سنة، ثمّ نمرود بن بالش سنة وشهراً، فذلك سبع مائة سنة وسنة، وشهد أيام الضحّاك، وظنّ الناس في نمرود ما ذكرناه، فلمّا ملك أفريدون وقهر لازدهاق قتل نمرود بن بالش وشرد النبط وقتل فيهم مقتلةً عظيمة.

.ذكر قصة لوط وقومه:

قد ذكرنا مهاجر لوط مع ابراهيم، عليه السلام، إلى مصر وعودهم إلى الشام ومقام لوط بسدوم. فلمّا أقام بها أرسله الله إلى أهلها، وكانوا أه كفر بالله تعالى وركوب فاحشة، كما قال تعال: {إنكم لتأتون الفاحشة ما سبقكم بها من أحد من العالمين أئنكم لتأتون الرجال وتقطعون السبيل وتأتون في ناديكم المنكر} فكان قطعهم السبيل أنهم كانوا يأخذون المسافر إذا مر بهم ويعلمون به ذلك العمل الخبيث، وهو اللّواطة، وأما إتيانهم المنكر في ناديهم فقيل كانوا يحذفون من مرّ بهم ويسخرون منهم، وقيل: كانوا يتضارطون في مجالسهم، وقيل: كان يأتي بعضهم بعضاً في مجالسهم. وكان لوط يدعوهم إلى عبادة الله وينهاهم عن الأمور التي يكرهها الله منهم من قطع السبيل وركوب الفواحش وإتيان الذكور في الأدبار ويتوعدهم على إصرارهم وترك التوبة بالعذاب الأليم، فلا يزجرهم ذلك ولا يزيدهم وعظه إلا تمادياً واستعجالاً لعقاب الله إنكاراً منهم لوعيده ويقولون له: ائتنا بعذاب الله إن كنت من الصادقين، حتى سأل لوط ربّه النصرة عليهم لما تطاول عليه أمرهم وتماديهم في غيّهم. فبعث الله، لما أراد هلاكهم ونصر رسوله، جبرائيل وملكين آخرين معه أحدهما ميكائيل والآخر إسرافيل، فأقبلوا فيما ذكر مشاة في صورة رجال وأمرهم أن يبدأوا بإبراهيم وسارة ويبشّروه بإسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب.
فلمّا نزلوا على إبراهيم، وكان الضيف قد أبطأ عنه خمسة عشر يوماً حتى شقّ ذلك عليه، وكان يضيف من نزل به، وقد وسّع الله عليه الرزق، فرح بهم ورأى ضيفاً لم ير مثلهم حسناً وجمالاً، فقال: لا يخدم هؤلاء القوم أحد إلاّ أنا بيدي، فخرج إلى أهله فجاء بعجل سمين قد حنّذه، أي أنضجه، فقرّبه إليهم، فأمسكوا أيديهم عنه، {فلما رأى أيديهم لا تصل إليه نكرهم وأوجس منهم خيفةً قالوا لا تخف إنا أرسلنا إلى قوم لوطٍ وامرأته- سارة- قائمة فضحكت- لما عرفت من أمر الله ولما تعلم من قوم لوط- فبشرناها بإسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب} فقالت، وصكّت وجهها: {أألد وأنا عجوز} إلى قوله: {حميد مجيد} وكانت ابنة تسعين سنة وإبراهيم ابن عشرين ومائة.
فلما ذهب عن إبراهيم الروع وجاءته البشرى ذهب يجادل جبرائيل في قوم لوط، فقال له: أرأيت إن كان فيهم خمسون من المسلمين؟ قالوا: وإن كان فيهم خمسون من المسلمين؟ قالوا: وإن كان فيهم خمسون من المسلمين لم يعذّبهم؟ قال: وأربعون، قالوا: وأربعون؟ قال: وثلاثون، حتى بلغ عشرة، قالوا: وإن كان فيهم عشرة؟ قال: ما قم لا يكون فيهم عشرة فيهم خير ثم قال: {إنّ فيها لوطاً قالوا نحن أعلم بمن فيها لننجينّه وأهله إلا امرأته كانت من الغابرين}.
ثمّ مضت الملائكة نحو سدوم قرية لوط، فلمّا انتهوا إليها لقوا لوطاً في أرض له يعمل فيها، وقد قال الله تعالى لهم: لا تهلكوهم حتى يشهد عليهم لوط أربع شهادات، فأتوه فقالوا: إنّا متضيفوك اللّيلة، فانطلق بهم، فلّما مشى ساعة التفت إليهم فقال لهم: أما تعلمون ما يعمل أهل هذه القرية؟ والله ما أعلم على ظهر الأرض إنساناً أخبث منهم، حتى قال ذلك أربع مرّات.
وقيل: بل لقوا ابنته فقالوا: يا جارية هل من منزل؟ قالت: نعم، مكانكم لا تدخلوا حتى آتيكم، خافت عليهم من قومها، فأتت أباها فقالت: يا أبتاه أدرك فتياناً على باب المدينة ما رأيت أصبح وجوهاً منهم لئلا يأخذهم قومك فيفضحوهم، وكان قومه قد نهوه أن يضيف رجلاً، فجاء بهم فلم يعلم إلاّ أهل بيت لوط، فخرجت امرأته فأخبرت قومها وقالت لهم: قد نزل بنا قوم ما رأيت أحسن وجوهاً منهم ولا أطيب رائحة، فجاءه قومه يهرعون إليه، فقال: يا قوم {اتقوا الله ولا تخزون في ضيفي أليس منكم رجل رشيد} فنهاهم ورغبّهم وقال: {هؤلاء بناتي هن أطهر لكم} مما تريدون، {قالوا لقد علمت ما لنا في بناتك من حق وإنك لتعلم ما نريد} هود: 11: 79 {أولم ننهك عن العالمين} الحجر: 15: 70، فلما لم يقبلوا منه {قال لو أنّ لي بكم قوّة أو اوي إلى ركن شديد} هود: 11: 80 يعني لو أنّ لي أنصاراً أو عشيرة يمنعوني منكم، فلمّا قال ذلك وجد عليه الرسل فقالوا: إنّ ركنك لشديد ولم يبعث الله نبياً إلا في ثروة من قومه ومنعة من عشيرته، وأغلق لوط الباب، فعالجوه، وفتح لوط الباب، فدخلوا، واستأذن جبرائيل ربّه في عقوبتهم فأذن له فبسط جناحه ففقأ أعينهم وخرجوا يدوس بعضهم بعضاً عمياناً يقولون: النجاء النجاء فنّ في بيت لوط أسحر قوم في الأرض وقالوا للوط: {إنا رسل ربّك لن يصلوا إليك فأسر بأهلك بقطع من الليل ولا يلتفت منكم أحد إلا امرأتك} هود: 11: 81 {واتبع أدبارهم وامضوا حيث تؤمرون} الحجر: 15: 65.
فأخرجهم الله إلى الشام وقال لوط: أهلكوهم الساعة؛ فقالوا: لن نؤمر إلاّ بالصبح، {أليس الصبح بقريب} هود: 11: 81، فملا كان الصبح أدخل جبرائيل، وقيل ميكائيل، جناحه في أرضهم وقراهم الخمس فرفعها حتى سمع أهل المساء صياح ديكتهم ونباح كلابهم، ثمّ قلبها فجعل عاليها سافلها وأمطر عليهم حجارة من سجيل فأهلكت من لم يكن بالقرى، وسمعت امرأة لوط الهدّة فقالت: واقوماه فأدركها حجر فقتلها، ونجّى الله لوطاً وأهله إلاّ امرأته، وذكر أنه كان فيها أربعمائة ألف، وكان إبراهيم يتشرّف عليها ويقول: سدوم يوماً هالك، ومدائن قوم لوط خمس: سدوم وصبعة وعمرة ودوما وصعوة، وسدوم هي القرية العظمى.
قوله يهرعون إليه، هو مشيٌ بين الهرولة والجمز.

.ذكر وفاة سارة زوج إبراهيم عليه السلام وذكر أولاده وأزواجه:

لا يدفع أحد من أهل العلم أن سارة توفيّت بالشام ولها مائة وسبع وعشرون سنة، وقيل: إنها كانت بقرية الجبابرة من أرض كنعان، وقيل: عاشت هاجر بعد سارة مدّة، والصحيح أن هاجر توفيّت قبل سارة، كما ذكرنا في مسير إبراهيم إلى مكّة، وهو الصحيح إن شاء الله تعالى.
فلمّا ماتت سارة تزوج بعدها قطوراً ابنة يقطن امرأة من الكنعانيين فولدت له ستّة نفر: نفشان ومران ومديان ومدن ونشق وسرح، وكان جميع أولاد إبراهيم مع إسماعيل واسحاق ثمانية نفر، وكان إسماعيل بكره؛ وقيل في عدد أولاده غير ذلك، فالبربر من ولد نفشان، وأهل مدين قوم شعيب من ولد مديان.
وقيل: تزوج بعد قطورا امرأة اخرى اسمها حجون ابنة اهير.

.ذكر وفاة إبراهيم وعدد ما أنزل عليه:

قيل: لما أراد الله قبض روح إبراهيم أرسل اليه ملك الموت في صورة شيخ هرم، فرآه إبراهيم وهو يطعم الناس وهو شيخ كبير في الحرّ، فبعث إليه بحمار فركبه حتى أتاه، فجعل الشيخ يأخذ اللقمة يريد أن يدخلها فاه فيدخلها في عينه وأذنه ثمّ يدخلها فاه، فإذا دخلت جوفه خرجت من دبره، وكان إبراهيم سأل ربّه أن لا يقبض روحه حتى يكون هو الذي يسأله الموت، فقال: يا شيخ مالك تصنع هذا؟ قال: يا إبراهيم الكبر، قال: ابن كم أنت؟ فزاد على عمر إبراهيم سنتين، فقال ابراهيم: إنّما بيني وبين أن أصير هكذا سنتان، اللهم اقبضني إليك فقام الشيخ وقبض روحه ومات وهو ابن مائتي سنة.
وقيل مائة وخمس وسبعين سنة، وهذا عندي فيه نظر لأن إبراهيم لا يخلو أن يكون قد رأى من هو أكبر منه بسنتين أو أكثر من ذلك، فإنّ من عاش مائتي سنة كيف لا يرى من هو أكبر منه بهذا القدر القريب؟ ولكن هكذا روي، ثمّ إنه قد بلغه عمر نوح ولم يصبه شيء مما رأى بذلك الرجل.
وروى أبو ذرّ عن النبي، صلى الله عليه وسلم، أنه قال: وأنزل الله على إبراهيم عشر صحائف، قال: قلت: يا رسول الله فما كانت صحف ابراهيم؟ قال: كانت أمثالاً كلّها: أيها الملك المسلط المبتلى المغرور إني لم أبعثك لتجمع الدنيا بعضها إلى بعض ولكن بعثتك لتردّ عني دعوة المظلوم فإني لا أردها ولو كانت من كافر.
وكان فيها أمثال، منها: وعلى العاقل ما لم يكن مغلوباً على عقله أن يكون له ساعات، ساعة يناجي فيها ربّه، وساعة يفكر فيها في صنع الله، وساعة يحاسب فيها نفسه، وساعة يخلو فيها بحاجته من الحلال في المطعم والمشرب، وعلى العاقل أن لا يكون ظاعناً إلا في ثلاث: تزوده لمعاده ومرَّمة لمعاشه ولذّة في غير محرّم، وعلى العاقل أن يكون بصيراً بأمانه، مقبلاً على شانه، حافظاً للسانه، ومن حسب كلامه من عمله قلّ كلامه إلاّ فيما يعنيه.
وهو أوّل من اختتن، وأوّل من أضاف الضيف، وأوّل من اتخذ السراويل، إلى غير ذلك من الأقاويل.

.ذكر خبر ولد إسماعيل بن إبراهيم:

قد ذكرنا فيما مضى سبب إسكان إسماعيل الحرم وتزوّجه امرأة من جرهم وفراقه إيّاها بأمر إبراهيم ثمّ تزوّج أخرى، وهي السيدة بنت مضاض الجرهمي، وهي التي قال لها: قولي لزوجك: قد رضيت لك عتبة بابك، فولدت لإسماعيل اثني عشر رجلاً: نابت وقيدار واذيل وميشا ومسمع ورما وماش وآذر وقطورا وقافس وطميا وقيدمان، وكان عمر إسماعيل فيما يزعمون سبعاً وثلاثين ومائة سنة، ومن نابت وقيدار ابني إسماعيل نشر الله العرب، وأرسله الله تعالى إلى العماليق وقبائل اليمن، وقد ينطق أولاد إسماعيل بغير الألفاظ التي ذكرت، ولما حضرت إسماعيل الوفاة أوصى إلى أخيه إسحاق، وزوج ابنته من العيص بن إسحاق، ودفن عند قبر أمّه هاجر بالحجر.